السيد عبد الأعلى السبزواري

196

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

أمرنا به وحث عليه القرآن الكريم ، ولكن التماس الأسباب على قسمين : الأوّل : أن تلحظ مستقلة مع قطع النظر عنه عزّ وجلّ بالمرّة ، وهذا مذموم بل هو الشرك بعينه ، وتكون قرينة الخيبة غالبا . الثاني : أن ينظر إليها من حيث إنها من قبيل المعدات قد أفاضها اللّه عزّ وجلّ ، وهذا القسم ممدوح بل هو التوحيد الخالص ، ولكن ترتب النتيجة منوط بإرادة اللّه تعالى ، فإن اعتقاد الخير في نظر الفاعل لا يغيّر الواقع عمّا عليه ، قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ سورة البقرة ، الآية : 216 ] . وبالجملة : أن كون الخير بيده عزّ وجلّ ، وأن بيده ملكوت كلّ شيء ، لا ينافي تسبّب الأسباب الظاهريّة وإيكال الأمور الخارجة عن علم الإنسان إليه عزّ وجلّ ، بل لا بد من ذلك . بحث عرفاني : الإنسان قرين الحاجة والفقر ، وهو يحتاج في حدوثه وبقائه إلى اللّه جلّ جلاله ، وبعد كون الخير بيده تعالى فلا بد من الرجوع إليه عزّ وجلّ والتماس الخير منه والإعراض عمّا سواه ليتمّ له التوحيد الفعلي ، كما يتمّ بذلك تفويض الأمر إليه عزّ وجلّ وتتجلّى في قلبه هذه الآية الشريفة ، ويكون من مظاهر : « لا حول ولا قوة إلّا باللّه » ، فتسهل عليه جملة من الصعاب التي عاقت أهل الدنيا عن الوصول إلى مقاصدهم ، فإن من شاهد القيوميّة المطلقة منه تعالى في وجوده وبقائه وجميع شؤونه ، لا يرى لنفسه شيئا إلّا مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [ سورة الانشقاق ، الآية : 6 ] ، وتتم بذلك نشأة الآخرة ، حيث تكون من مظاهر قوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [ سورة الفجر ، الآية : 27 - 30 ] ، ولا معنى للعبوديّة الحقيقيّة إلّا ذلك ، ويتّحد المبدأ والمآب حينئذ من كلّ